الشنقيطي

28

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

وكذلك الصوم لما كان شاقا على النفوس شرعه أولا على سبيل التخيير وبينه وبين الإطعام ثم رغّب في الصوم مع التخيير بقوله : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 184 ] ، ثم لما استأنست به النفوس أوجبه إيجابا حتما بقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] . وكذلك القتال على هذا القول شاقا على النفوس ، أذن فيه أولا من غير إيجاب بقوله : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [ الحج : 39 ] الآية . ثم أوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم بقوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [ البقرة : 190 ] . ثم لما استأنست نفوسهم بالقتال أوجبه عليهم إيجابا عاما بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ [ التوبة : 5 ] الآية . الوجه الثالث - وهو اختيار ابن جرير ، ويظهر لي أنه الصواب أن الآية محكمة وأن معناها : اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ أي من شأنهم أن يقاتلوكم . أما الكافر الذي ليس من شأنه القتال كالنساء والذراري والشيوخ الفانية والرهبان وأصحاب الصوامع ، ومن ألقى إليكم السلم فلا تعتدوا بقتالهم لأنهم لا يقاتلونكم ، ويدل لهذا الأحاديث المصرحة بالنهي عن قتل الصبي ، وأصحاب الصوامع ، والمرأة والشيخ الهرم إذا لم يستعن برأيه . أما صاحب الرأي فيقتل كدريد بن الصمة ، وقد فسر هذه الآية بهذا المعنى عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ، وابن عباس والحسن البصري . قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ 194 ] الآية . هذه الآية تدل على طلب الانتقام ، وقد أذن اللّه في الانتقام في آيات كثيرة كقوله تعالى : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [ الشورى : 41 - 42 ] الآية . وكقوله : * لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [ النساء : 148 ] . وكقوله : * ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [ الحج : 60 ] الآية .